الثعلبي
114
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أصنافا ذكورا وإناثا . وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً راحة لأبدانكم ، والنائم مسبوت لا يعلم ولا يعقل كأنّه ميّت ، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً غطاء وغشاء يلبس كل شيء بسواده وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً سببا لمعاشكم والتصرّف في مصالحكم فسمّاه به كقول الشاعر : وأخو الهموم إذا الهموم تحضّرت * [ جنح ] الظلام وساده لا يرقد « 1 » فجعل الوسادة هي التي لا ترقد والمعنى لصاحب الوسادة . وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً مضيئا منيرا وقّادا حارّا وهي الشمس . وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال مجاهد ومقاتل وقتادة : يعني الرياح التي تعصر السحاب ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ومجازه على هذا التأويل بالمعصرات مِنَ بمعنى الباء كقوله سبحانه : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ « 2 » وكذلك كان عكرمة يقرأها وأنزلنا بالمعصرات وروى الأعمش عن المنهال عن ابن عمرو وعن قيس بن سكن قال : قال عبد الله في قوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً قال : بعث الله سبحانه الريح فحمل الماء من الماء فتدرّ كما تدر اللقحة « 3 » ثم يبعث الماء كأمثال العزالي فتضرب به الرياح فينزل متفرّقا « 4 » . قال المؤرّخ : المعصرات : ذوات الأعاصير ، وقال أبو العالية والربيع والضحاك : هي السحاب التي تجلب المطر ولم تمطر كالمرأة المعصر ، وهي التي دنا حيضها ، قال أبو النجم : قد أعصرت أو قد دنا اعصارها . وهذه رواية الوالي عن ابن عباس . قال المبرّد : المعصرات الفاطرات ، وقال ابن كيسان : المغيثات من قوله يَعْصِرُونَ وقال أبي بن كعب والحسن وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان : مِنَ الْمُعْصِراتِ أي من السماوات . ماءً ثَجَّاجاً أي صبابا ، وقال مجاهد : مدرارا ، قتادة : متتابعا يتلوا بعضه بعضا ، وقال ابن زيد : كثيرا . لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً مجتمعه ملتفة بعضه ببعض وواحدها ألفّ في قول [ نحاة ] البصرة وليس بالقوى وفي قول الآخرين واحدها لف ولفيف وقيل : هو جمع الجمع يقال : جنّة لفا [ وبنت ] لف وجنان لف بضم اللام ثم تجمع اللف ألفافا .
--> ( 1 ) تفسير الطبري : 30 / 6 مورد الآية . ( 2 ) سورة القدر : 4 - 5 . ( 3 ) في نسخة المصدر : ناقة . ( 4 ) السنن الكبرى للبيهقي : 3 / 364 .